صحيح مسلم/541

من الحكمة
الراوي: أبو هريرة رضي الله عنه
المحدث: مسلم
المصدر: صحيح مسلم برقم: 541
حكم المحدث: صحيح

الحديث:

«إنّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيّ البارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيّ الصّلاةَ، وإنّ اللّهَ أمْكَنَنِي منه فَذَعَتّهُ، فَلقَدْ هَمَمْتُ أنْ أرْبِطَهُ إلى جَنْبِ سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، حتّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إلَيْهِ أجْمَعُونَ، أوْ كُلّكُمْ، ثُمّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمانَ: {رَبّ اغْفِرْ لي وهَبْ لي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِن بَعْدِي} [ص:35]، فَرَدّهُ اللّهُ خاسِئًا»


الشرح

الجِنّ أجسامٌ ناريّةٌ قابلةٌ للتّشكّلِ بأشكالٍ مُختلفةٍ، وهم مَخلوقاتٌ غيرُ مَنظورةٍ لنا، وقدْ يُرِيها اللهُ مَن شاءَ مِن خَلْقِه، مُكلّفونَ مِثلَنا، منهم المؤمنونَ والكافرونَ والعُصاةُ، ومنهم الطّيّبُ والخَبيثُ. وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنّ تَفَلّتَ عليه البارحةَ، أي: تَعرّضَ له فَجأةً وفي سُرعةٍ أثناءَ الصّلاةِ؛ لِيَقطَعَ عليه صَلاتَه، ولِيَشغَلَه عنها، ويَقطَعَ عليه الخُشوعَ في الصّلاةِ بتَشويشِ أفكارِه، ويَحُولُ بيْنه وبيْن قِبلتِه، وبيْنه وبيْن مُناجاةِ ربّه، فأمْكَنَه اللهُ عزّ وجلّ على ذلك الشّيطانِ، فدَفَعَه عن نفْسِه، ثمّ أراد صلى الله عليه وسلم أنْ يَربِطَه إلى ساريَةٍ وعَمودٍ مِن سَوَارِي المسجِدِ وأعمدتِه؛ حتّى يُصبِحَ النّاسُ ويَنظُروا إليه مُقيّدًا نَهارًا، إلّا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكَرَ قَولَ أخيه سُليمانَ بنِ داودَ عليه السلام: {رَبّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35]؛ وكان التّسلّطُ على الجِنّ مِن جُملةِ مُلكِ سُليمانَ عليه السلام الذي أعطاهُ اللهُ عزّ وجلّ له، فامتنَعَ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وتَرَكَه مَطرودًا ذَليلًا حيث لم يَقدِرْ على أذيّةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا على أنْ يَشغَلَه عن الصّلاةِ. ولا يُعارِضُ هذا الحديثُ الآيةَ؛ لأنّ المرادَ بمُلْكِ سُليمانَ للجِنّ هو تَسخيرُهم له بخِدمتِه وطاعتِه. وفي الحديثِ: العَملُ في الصّلاةِ لمَصلحتِها، مِن غيرِ قصْدِ العَبثِ فيها، ولا التّهاوُنِ بها، ودفْعُ المُؤذِي في الصّلاةِ، حتّى وإنْ لمْ يَندفِعْ إلّا بعُنفٍ وشِدّةِ دَفْعٍ. وفيه: وَفاءُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وحُسنُ خُلُقِه، ورِعايتُه لنَبيّ اللهِ سُليمانَ عليه السلام. وفيه: مَشروعيّةُ رَبْطِ الأسيرِ في المسجدِ، وبَقائِه فيه.