صحيح الجامع/5255

من الحكمة
الراوي: جابر بن عبدالله رضي الله عنه
المحدث: الألباني
المصدر: صحيح الجامع برقم: 5255
حكم المحدث: صحيح

الحديث:

«لو أنّي استقبَلْتُ مِنْ أمرِي ما استدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهدْيَ، ولَجَعَلْتُها عُمْرَةً، فمنْ كانَ منكم ليس معَهُ هَدْيٌ فلْيَحِلّ، ولْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»


الشرح

دخَل محمّدُ بنُ عليّ بن الحُسَين هو وآخَرون على جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه، فسأَل عن القومِ، أي: عن جماعةِ الرّجالِ الدّاخلين عليه، فإنّه إذ ذاك كان أعْمَى؛ حيث عَمِيَ في آخرِ عُمرِه، فلمّا وصَل إلى محمّدِ بنِ عليّ بن حُسَين أهوى بيدِه إلى رأسِه فنزَع زِرّه الأعلى، ثمّ نزَع زِرّه الأسفلَ، أي: أخرَجه مِن عُرْوتِه ليكشِفَ صدرَه عن القميصِ ويضَعَ يدَه عليه؛ لكمالِ الشّفقةِ عليه؛ لكونِه مِن أهلِ بيت رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ورحّب به، وطلَب منه أن يسأَلَه عمّا يَشاءُ، فسأَله، وجاء وقتُ الصّلاةِ، فقام في "نِسَاجَةٍ"، أي: في مِلحَفةٍ أو بُردةٍ منسوجةٍ، ملتحفًا بها، كلّما وضَعها على مَنكِبِه رجَع طرَفاها إليه مِن صِغَرِها، ورداؤُه إلى جَنبِه على "المِشْجَبِ"، هو عِيدانٌ تُضَمّ رؤوسُها، ويُفرّجُ بين قوائمِها توضَعُ عليها الثّيابُ، فصلّى بهم، وبعد الصّلاةِ طلَب منه مُحمّدُ بن عليّ بن الحُسَينِ أن يُخبِرَه عن حَجّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فأشار بيدِه "فعقَد تِسعًا"، وذلك يكونُ بضمّ ثلاثِ أصابعَ؛ الخِنصِر والبِنصِر والوُسْطى إلى الكفّ، وفتحِ المُسبّحةِ والإبهامِ، فقال: إنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ظلّ تِسعَ سنين لم يحُجّ، ثمّ أذّن في النّاسِ، أي: أعلَمهم بذلك وأشاعه بينهم؛ ليتأهّبوا للحجّ معه، ويتعلّموا المناسِكَ والأحكامَ، ويَشهَدوا أقوالَه وأفعالَه، ويُوصيهم؛ ليُبلّغَ الشّاهدُ الغائبَ، وتشيعَ دعوةُ الإسلامِ، وذلك في السّنةِ العاشرةِ مِن الهجرةِ، فقدِم المدينةَ الكثيرُ مِن النّاسِ، كلّهم "يلتَمِسُ"، أي: يبتغي ويُريدُ أن "يأتَمّ"، أي: يَقتديَ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويعمَلَ مِثلَ عمَلِه، فخرَجْنا معه حتّى أتَيْنا ذا الحُلَيفةِ، وهو ميقاتُ أهلِ المدينةِ، فولَدَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ مُحمّدَ بنَ أبي بكرٍ رضي الله عنه، فأرسلَتْ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم: كيف تصنَعُ؟ أي: في إحرامِها، فأمَر صلى الله عليه وسلم أن تغتسِلَ "وتستثفِرَ"، والاستثفارُ هو أن تشُدّ في وسَطِها شيئًا، وتأخُذَ خِرقةً عريضةً تجعَلُها على محَلّ الدّمِ، وتشُدّ طرَفَيْها مِن قُدّامِها ومِن ورائِها في ذلك المشدودِ في وسَطِها، وأَحْرِمي، أي: بالنّيّةِ والتّلبيةِ، فصلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، أي: ركعتينِ للظّهرِ، وقيل: سنّةَ الإحرامِ في مسجدِ ذي الحُلَيفةِ، ثمّ ركِب القَصْواءَ، وهو اسمُ ناقتِه، حتّى إذا استوَتْ به ناقتُه على "البَيْداءِ"، وهو فوق عَلَمَيْ ذي الحُلَيفةِ لِمَن صَعِدَ مِن الوادي، ورفَع صوتَه بالتّلبيةِ، ثمّ نظَر جابرٌ إلى مَدّ بصَرِه، أي: منتهى بصَرِه بين يديه، مِن راكبٍ وماشٍ، وعن يمينِه مِثلَ ذلك، وعن يَسارِه مِثلَ ذلك، ومِن خَلفِه مِثلَ ذلك، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين أظهُرِنا، وعليه ينزِلُ القُرْآنُ، وهو يعرِفُ تأويلَه، وما عَمِلَ به مِن شيءٍ عمِلْنا به؛ فأهَلّ بالتّوحيدِ، يعني قولَه: لبّيْكَ اللّهمّ لبّيْكَ، لبّيْكَ لا شريكَ لك لبّيْكَ، إنّ الحمدَ والنّعمةَ لك والمُلْكَ، لا شريكَ لك، وأهَلّ النّاسُ بهذا الّذي يُهلّون به، فلم يرُدّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليهم شيئًا منه، ولزِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تلبيتَه، يعني: أنّهم لم يلتزموا هذه التّلبيةَ الخاصّةَ الّتي لبّى بها صلى الله عليه وسلم؛ إذ فهِموا أنّها ليسَتْ مُتعيّنةً؛ فإنّه قد ترَك ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلّ أحدٍ على ما تيسّر له مِن ألفاظِها، لَسْنا ننوي إلّا الحجّ، لَسْنا نعرِفُ العُمرةَ، حتّى إذا أتَيْنا البيتَ معه، استَلَم الرّكنَ، يعني: الحجَرَ الأسودَ، واستلامُه مَسْحُه، فرمَل ثلاثًا، أي: أسرَع المشيَ مع تقارُبِ الخُطَا، ومشى أربعًا، ثمّ نفَذ إلى مقامِ إبراهيمَ، أي: بلَغه ماضيًا في زِحامٍ، فقرَأ: {وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى} [البقرة: 125]، فجعَل المَقامَ بينه وبين البيتِ، فكان أبي يقولُ: (ولا أعلَمُه ذكَره إلّا عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم): كان يقرأُ في الرّكعتينِ: {قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، و{قُلْ يَاأَيّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1]، ثمّ رجَع إلى الرّكنِ فاستلَمه، ثمّ خرَج مِن البابِ، أي: مِن بابِ بني مخزومٍ، وهو الّذي يُسمّى بابَ الصّفا، وخروجُه عليه السلام منه؛ لأنّه أقربُ الأبوابِ إلى الصّفا، قرَأ: {إِنّ الصّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ} [البقرة: 158]، أي: مِن أعلامِ مناسِكِه، أبدَأُ بما بدَأ اللهُ به، أي: ابتدَأَ بالصّفا؛ لأنّ اللهَ بدَأ بذِكرِه في كلامِه، فبدَأ، أي: في سعيِه بالصّفَا، فرَقِيَ عليه، أي: صَعِدَ على جبلِ الصّفا، حتّى رأى البيتَ، فاستقبَل القِبلةَ، فوحّد اللهَ، وكبّرَه، وقال: "لا إلهَ إلّا اللهُ وحده لا شريكَ له، له المُلْكُ وله الحمدُ، وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ، لا إلهَ إلّا اللهُ وحده، أنجَز وَعْدَه، أي: وفّى بما وعَده بإظهارِه عزّ وجلّ للدّينِ، ونصَر عبدَه، أي: عبدَه الخاصّ، نصرًا عزيزًا، وهزَم الأحزابَ وحده، أي: هزَمهم بغيرِ قتالٍ مِن الآدَميّينَ، لا بسببٍ مِن جهتِهم، ثمّ دعا بين ذلك، قال مِثلَ هذا ثلاثَ مرّاتٍ، ثمّ نزَل إلى المروةِ. حتّى إذا انصبّتْ قدَماهُ، أي: انحدرَتْ في بطنِ الوادي، سعى، حتّى إذا صَعِدتا، أي: ارتفعَتْ قدماه عن بطنِ الوادي، مشى حتّى أتى المروةَ، ففعَل على المروةِ كما فعَل على الصّفا، حتّى إذا كان آخرُ طوافِه على المروةِ واستثنى النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِن أمرِه هذا مَن كان معه الهديُ فقال: لو استقبَلْتُ مِن أمري ما استدبَرْتُ ما أهديتُ، أي: ما سُقْتُ الهديَ، ولولا أنّ معي الهَدْيَ لأحلَلْتُ؛ وذلك لأنّ وجودَه مانعٌ مِن فَسْخِ الحجّ إلى العمرةِ والتّحلّلِ منها، فسأَل سُراقةُ بنُ مالكِ بن جُعْشُمٍ رضي الله عنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ألعامِنا هذا أم لأَبَدٍ؟ أي: هل جوازُ فسخِ الحجّ إلى العمرةِ أو الإتيانِ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحجّ أو مع الحجّ يختَصّ بهذه السّنةِ أم للأبدِ؟ فشبّكَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بين أصابعِه، إشارةً إلى اشتراكِ كلّ الأعوامِ في ذلك بدونِ اختصاصِ أحدِها: دخَلَتِ العمرةُ في الحجّ، أي: حلّتِ العمرةُ في أشهُرِ الحجّ، وقَدِم عليّ رضي الله عنه مِن اليمَنِ بهَدْيٍ، وساق النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِن المدينةِ هَدْيًا، فوجَد فاطمةَ ممّن حَلّ ولبِسَتْ ثيابًا صبيغًا، واكتحلَتْ، فأنكَر ذلك عليها؛ ظنّا أنّه لا يجوزُ، فقالت: إنّ أبي أمَرني بهذا، فذهَب عليّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم "مُحرّشًا" على فاطمةَ، والتّحريشُ: الإغراءُ، والمرادُ هنا أن يذكُرَ له ما يَقتضي عتابَها للّذي صنَعَتْ، مُستفتيًا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكَرَتْ عنه، فأخبَرْتُه أنّي أنكَرْتُ عليها، فقال: صَدَقَتْ صَدَقَتْ، فسأَله صلى الله عليه وسلم: ماذا قُلْتَ حين فرَضْتَ الحجّ؟ أي: ألزَمْتَه على نفسِك بالنّيّةِ والتّلبيةِ، قال: قلتُ: اللّهمّ إنّي أُهِلّ بما أهَلّ به رسولُك، أي: أُحرِمُ بما أحرَمَ به رسولُك، قال صلى الله عليه وسلم: فإنّ معي الهَدْيَ، ولا أقدِرُ أن أخرُجَ مِن العمرةِ بالتّحلّلِ، فلا تَحِلّ، فكان جماعةُ الهديِ، أي مِن الإبلِ الّذي قدِم به عليّ مِن اليمَنِ والّذي أتى به صلى الله عليه وسلم مِن المدينةِ، مِئةً مِن الهَديِ، فحَلّ النّاسُ، أي: خرَج مِن الإحرامِ مَن لم يكُنْ معه هَدْيٌ بعد الفراغِ مِن العُمرةِ، كلّهم أي: أكثَرُهم، وقصّروا شَعرَهم، إلّا النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومَن كان معه هَدْيٌ، فلمّا كان يومُ التّرويَةِ، وهو اليومُ الثّامنُ مِن ذي الحِجّةِ، سُمّي بذلك لأنّ الحُجّاجَ كانوا يرتَوُونَ فيه مِن الماءِ لِما بعده، أي: يستَقُون ويسقُون إبِلَهم فيه، استعدادًا للوقوفِ يومَ عرَفةَ، توجّهوا، أي: أرادوا التّوجّهَ إلى مِنًى، سُمّيَتْ به؛ لأنّه تُمْنَى الدّماءُ في أيّامِها، أي: تُراقُ وتُسفَكُ، فأهَلّوا بالحجّ، أي: مِن البَطْحاءِ، وركِب صلى الله عليه وسلم حين طلوعِ الشّمسِ مِن يومِ التّرويةِ، وسار مِن مكّةَ إلى مِنًى، فصلّى بها، أي: بمِنًى، في موضعِ مسجدِ الخَيْفِ: الظّهرَ والعصرَ، كلّ صلاةٍ لوقتِها، ثمّ مكَث، أي: لَبِثَ بعد أداءِ الفجرِ قليلًا حتّى طلَعَتِ الشّمسُ، وأمَر بقُبّةٍ، أي: أمَر بضربِ خيمةٍ بنَمِرَةَ قبل قدومِه إليها مِن شَعَرٍ، فسارَ صلى الله عليه وسلم، أي: مِن مِنًى إليها، ولا تشُكّ قُرَيشٌ إلّا أنّه واقفٌ عند "المَشعَرِ الحرامِ"، وهو جبلٌ في المُزدَلفةِ، يُقالُ له: قَزَحٌ، كما كانت قُرَيشٌ تصنَعُ في الجاهليّةِ، فأجاز صلى الله عليه وسلم، أي: جاوَز المُزدَلفةَ ولم يقِفْ بها، بل توجّه إلى عرَفاتٍ، حتّى أتى عرَفةَ، أي: قارَبها ووجَد القُبّةَ قد ضُرِبَتْ بنَمِرَةَ فنزَل بها، حتّى إذا زاغتِ الشّمسُ، أي: نزَل بها واستَمَرّ فيها، حتّى إذا مالتِ الشّمسُ وزالتْ عن كبِدِ السّماءِ مِن جانب الشّرقِ إلى جانبِ الغربِ أمَر بإحضارِ القَصْواءِ، فرُحِلَتْ له، أي: شُدّ على ظَهرِها الرّحْلُ ليركَبَها صلى الله عليه وسلم، فركِبها، فأتى بطنَ الوادي، وهو وادي عُرَنةَ، فخطَب النّاسَ، أي: وعَظهم، وقال: إنّ دماءَكم وأموالَكم، أي: إنّ سَفْكَ دمائِكم وأَخْذَ أموالِكم بغيرِ حقّ، حرامٌ عليكم كحُرمةِ يومِكم هذا، أي: مُتأكّدةُ التّحريمِ شديدتُه، كحُرمةِ يَومِكم هذا، يعني يومَ عرَفةَ، في شهرِكم هذا، أي: ذي الحِجّةِ، في بلدِكم هذا، أي: مكّةَ، ألَا كلّ شيءٍ مِن أمرِ الجاهليّةِ، يعني: الّذي أحدَثوه، والشّرائعَ الّتي شرَعوها في الحجّ وغيرِه قبل الإسلامِ، تحت قدَميّ موضوعٌ، أي: مردودٌ وباطلٌ، ودماءُ الجاهليّةِ موضوعةٌ، أي: متروكةٌ لا قِصاصَ ولا دِيَةَ ولا كفّارةَ، وإنّ أوّلَ دمٍ أضَعُ، أي: أضَعُه وأترُكُه مِن دِمائِنا دمُ ابنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ، أي: ابن عبدِ المُطّلبِ، وكان مُستَرْضَعًا، أي: كان لهذا الابنِ ظِئْرٌ تُرضِعُه مِن بني سعدٍ، وكان يحبو بين البيوتِ، فأصابه حجَرٌ في حربِ بني سعدٍ مع قبيلةِ هُذَيلٍ، فقتلَتْه قبيلةُ هُذَيلٍ، وربَا الجاهليّةِ موضوعٌ، ومعناه: أي الزائدُ على رأسِ المالِ مردودٌ، وأوّلُ ربًا أضَعُ مِن رِبَانا رِبَا عبّاسِ بنِ عبد المُطّلبِ، فإنّه موضوعٌ كلّه، فاتّقوا اللهَ في النّساءِ، بإنصافِهنّ ومراعاةِ حقّهنّ؛ فإنّكم أخَذْتموهنّ بأمانِ اللهِ، أي: بعَهْدِه، واستحلَلْتُم فروجَهنّ بكلمةِ اللهِ، أي: يعني بالكلمةِ نفسَ العقدِ الّذي تَنشّأَ مِن كلمتَيْ إيجابٍ وقَبولٍ مِن الوليّ والزّوجِ، فلمّا أوصى بهنّ ذكَر ما عليهنّ: ألّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تكرَهونَه، أي: تكرَهون دُخولَه في بيوتِكم، فإن فعَلْنَ ذلك بدونِ رِضاكم فاضرِبوهنّ ضربًا غيرَ مُبرّحٍ، أي: ليس بشديدٍ ولا شاقّ، ولهنّ عليكم رزقُهنّ، أي: النّفقةُ مِن المأكولِ والمشروبِ، والسّكْنى والمَلْبَسِ، بالمعروفِ، أي: على قدْرِ كفايتِهنّ، مِن غيرِ سرَفٍ ولا تقتيرٍ أو باعتبارِ حالِكم فقرًا وغنًى، وقد ترَكْتُ فيكم، أي: فيما بينكم، ما لن تَضِلّوا بعده، أي: بعد تركي إيّاه فيكم أو بعد التّمسّكِ به والعمَلِ بما فيه، إن اعتصَمْتُم به، أي: في الاعتقادِ والعملِ، كتابَ اللهِ، أي: القُرْآنَ، ولم يذكُرِ السّنّةَ؛ لأنّ القُرْآنَ مُشتملٌ على العملِ بها، فيلزَمُ مِن العملِ بالكتابِ العملُ بالسّنّةِ، وأنتم تُسأَلون عنّي، أي: عن تبليغي وعدمِه، فما أنتم قائلون؟ أي: إذا كان الأمرُ على هذا، فبأيّ شيءٍ تُجيبون؟ قالوا: نشهَدُ أنّك قد بلّغْتَ، أي: رسالاتِ ربّك، وأدّيْتَ، أي: الأمانةَ، ونصَحْتَ، أي: الأمّةَ، فقال بإصبَعِه، أي: أشار بها، السّبّابةِ، يرفَعُها إلى السّماءِ "وينكُتُها" إلى النّاسِ، والنّكْتُ: ضربُ رأسِ الأناملِ إلى الأرضِ، ويقولُ: اللّهمّ اشهَدْ، أي: على عبادِك، بأنّهم أقرّوا بأنّي قد بلّغْتُ، ثمّ أذّن بلالٌ، ثمّ أقام فصلّى الظّهرَ، ثمّ أقام فصلّى العصرَ، ولم يُصَلّ بينهما شيئًا، أي: جمَع بين الظّهرِ والعصرِ في وقتِ الظّهرِ، ولم يُصَلّ بينهما شيئًا مِن السّنَنِ والنّوافلِ، وذلك للاستعجالِ بالوقوفِ، ثمّ ركِب، أي: القَصْواءَ، وسار حتّى أتى الموقفَ، أي: أرضَ عرَفاتٍ، فجعَل بطنَ ناقتِه القَصْواءِ إلى الصّخَراتِ، يعني أنّه علا على الصّخَراتِ ناحيةً منها، حتّى كانت الصّخَراتُ تُحاذي بطنَ ناقتِه. وجعَل حبلَ المُشاةِ بين يديه، "الحبلُ" هو المُستطيلُ مِن الرّملِ، والمرادُ به صفّ المشاةِ ومجتمَعُهم في مَشيِهم كحبلِ الرّملِ، واستقبَل القِبلةَ في الوُقوفِ بعرَفةَ، فلم يزَلْ واقفًا حتّى غرَبتِ الشّمسُ وذهَبَتِ الصّفرةُ قليلًا، أي: ذَهابًا قليلًا، حتّى غاب القُرصُ، وأردَف أسامةَ بنَ زيدٍ خَلْفَه على الدّابّةِ، ودفَع أي: ابتدَأ السّيرَ، ودفَع نفسَه، ونحّاها أو دفَع ناقتَه وحمَلها على السّيرِ، وقد "شنَق" أي: ضَمّ وضيّق للقَصْواءِ الزّمامَ، يعني: ضَمّ رأسَها إليه وبالَغ في الضّمّ حتّى إنّ رأسَها ليُصيبُ مَوْرِكَ رَحْلِه، وهو الموضعُ الّذي يَثْني الرّاكبُ رِجْلَه عليه قُدّامَ واسطةِ الرّحلِ إذا مَلّ مِن الرّكوبِ، ويقولُ بيدِه اليُمنى، أي: يُشيرُ بها: أيّها النّاسُ، السّكينةَ السّكينةَ، أي: الزَمُوا السّكينةَ، وهي الرّفقُ والطّمأنينةُ، وعدمُ الزّحمةِ، كلّما أتى حَبْلًا مِن الحبالِ أَرْخى لها قليلًا، أي: أَرْخى للقَصواءِ الزّمامَ إرخاءً قليلًا أو زمانًا قليلًا، حتّى تصعَدَ، حتّى أتى المُزدَلفةَ، وهي موضعٌ بين عرَفةَ ومِنًى، وكلّها مِن الحرَمِ، فصلّى بها المغربَ والعِشاءَ، أي جمَع بينهما في وقتِ العِشاءِ بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ، ولم يُسبّحْ بينهما شيئًا، أي: لم يُصَلّ بين المغربِ والعِشاءِ شيئًا مِن النّوافلِ والسّنَنِ، ثمّ اضطجَع للنّومِ حتّى طلَع الفجرُ، فصلّى الفجرَ حين تبيّنَ له الصّبحُ، أي: ظهَر له، ثمّ ركِب القَصْواءَ حتّى أتى المشعَرَ الحرامَ، فاستقبَل القِبلةَ، يعني الكعبةَ، فدعاه وكبّرَه، أي: قال: اللهُ أكبَرُ، وهلّلَه، أي: قال: لا إلهَ إلّا اللهُ، ووحّده، أي قال: لا إلهَ إلّا اللهُ وحده لا شريكَ له، فلم يزَلْ واقفًا حتّى أسفَر جدّا، أي: أضاء الفجرُ إضاءةً تامّةً، فدفَع، أي: ذهَب إلى مِنًى قبْلَ أن تطلُعَ الشّمسُ، وأردَف الفضلَ بنَ عبّاسٍ خَلْفَه على الدّابّةِ، وكان رجلًا حسَنَ الشّعرِ، أبيضَ وسيمًا، فلمّا دفَع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مرّتْ به "ظُعُنٌ" يَجْرِينَ، وهنّ الضّعفةُ مِن النّساءِ، فطفِقَ الفضلُ ينظُرُ إليهنّ، فوضَع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدَه على وجهِ الفضلِ، فحوّل الفضلُ وجهَه إلى الشّقّ الآخَرِ ينظُرُ، فحوّل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يدَه مِن الشّقّ الآخَرِ على وجهِ الفضلِ يصرِفُ وجهَه مِن الشّقّ الآخَرِ ينظُرُ، حتّى أتى بطنَ مُحسّرٍ، وهو وادٍ بين مُزدَلفةَ ومِنًى، فحرّك قليلًا، أي: حرّك ناقتَه، وأسرَع السّيرَ قليلًا، ثمّ سلَك الطّريقَ الوُسْطى، في مِنًى ثلاثُ طُرقٍ في عهدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، شَرقيّ وغربيّ ووسطٌ، فسلَك النّبيّ صلى الله عليه وسلم الطّريقَ الوُسطَى بين الطّريقينِ، وإنّما سلَكها؛ لأنّها كانت أقربَ إلى رمْيِ جمرةِ العَقبةِ، ولأنّها هي الّتي تخرُجُ على الجَمرةِ الكُبرى، وهي العَقَبةُ، وهي الجَمْرةُ الّتي عند الشّجرةِ، أي: جَمرةُ العَقَبةِ، فرماها ضُحًى بسَبْعِ حصَياتٍ، يُكبّرُ مع كلّ حصاةٍ منها، مِثْلِ حصَى الخَذْفِ: وهو رميُكَ حصاةً أو نواةً تأخُذُها بين سبّابتَيْكَ وتَرْمِي بها، رمَى مِن بطنِ الوادي ثمّ انصرَف، أي: رجَع عن جَمرةِ العَقبةِ إلى المَنحَرِ، أي: موضعِ النّحرِ، فنحَر ثلاثًا وستّينَ بدَنةً بيدِه، ثمّ أعطى أي: بقيّةَ البُدْنِ عليّا، فنحَر عليّ ما غبَرَ، أي: ما بَقِيَ مِن المئةِ، وأشرَكه صلى الله عليه وسلم في هديِه، أي: في نفسِ الهديِ، ثمّ أمَر مِن كلّ بدَنةٍ أي: مِن المئةِ، ببَضْعةٍ، أي: بقِطعةٍ مِن لحمِها، فجُعِلَت، أي: القِطَعُ في قِدْرٍ، فأكَل مِن لحمِها وشرِب مِن مرَقِها، ثمّ ركِب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيتِ، أي: أسرَع إلى بيتِ اللهِ ليطوفَ به طوافَ الإفاضةِ، فصلّى بمكّةَ الظّهرَ، ثمّ أتى أي: بعد فراغِه مِن طوافِ الإفاضةِ على بَني عبدِ المُطّلبِ، وهم أولادُ العبّاسِ وجماعتُه؛ لأنّ سِقايةَ الحاجّ كانت وظيفتَه، يسقُونَ، أي: مرّ عليهم وهم ينزعون الماءَ مِن بئرِ زمزمَ ويسقُونَ النّاسَ، فيغرِفون بالدّلاءِ ويصبّونَه في الحِياضِ ونحوِها، ويُسبّلونَه للنّاسِ، فقال: "انزِعوا"، أي: استَقُوا بالدّلاءِ وانزِعوها بالرّشاءِ بني عبدِ المُطّلبِ، فلولا أنْ يغلِبَكم النّاسُ على سقايتِكم، لنزَعْتُ معكم، أي: لولا خوفي أنْ يعتقدَ النّاسُ ذلك مِن مناسكِ الحجّ ويزدَحموا عليه بحيث يغلِبونكم ويدفَعونكم عن الاستقاءِ، لاستقَيْتُ معكم؛ لكثرةِ فضيلةِ هذا الاستقاءِ، فناوَلوه، أي: أعطَوْه فشرِبَ منه، أي: مِن الدّلوِ أو مِن الماءِ. في الحديثِ: أنّ مِن هَديِه صلى الله عليه وسلم الحجّ راكبًا. وفيه: أنّه صلى الله عليه وسلم ابتدأَ في وضْعِ دِماءِ الجاهليّةِ ورِبَاها بأهلِ بيتِه؛ ليكونَ أمكنَ في قلوبِ السّامعينَ، وأسدّ لأبوابِ الطّمعِ في التّرخيصِ. وفيه: الحثّ على مُراعاةِ حقّ النّساءِ، والوصيّةُ بهنّ ومعاشرتُهنّ بالمعروفِ. وفيه: الأمرُ بالنّفقةِ على الزّوجةِ. وفيه: فضلُ أسامةَ بنِ زيدٍ والفضلِ بنِ العبّاسِ وجابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه. وفيه: مِن هَدْيِه صلى الله عليه وسلم السّكينةُ في الدّفعِ مِن عرَفاتٍ. وفيه: مِن هَدْيِه صلى الله عليه وسلم الجمعُ بين المغربِ والعِشاءِ في المُزدَلفةِ. وفيه: مِن هَدْيِه صلى الله عليه وسلم عدمُ التّنفّلِ بين الصّلواتِ في الجَمْعِ. وفيه: مِن هَدْيِه صلى الله عليه وسلم الاستنابةُ في ذَبْحِ الهَدْيِ. وفيه: أنّ مِن هَدْيِه صلى الله عليه وسلم الشّربَ للنّاسكِ مِن ماءِ زَمْزمَ، والإكثارَ منه. وفيه: أنّ مِن حُسنِ فَهْمِ المسؤولِ: أنّه إذا سُئِلَ عن شيءٍ أتى به وبأطرافِه الّتي يُمكنُ فيها الخبرُ؛ فإنّه عقَد بيدِه تِسعًا، وهذا لم يَسَلْه عنه السّائلُ. وفيه: حِرصُ المؤمنين على الائتمامِ بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم، والتّعلّمِ منه مناسكَ الحجّ وأركانَه وواجباتِه ومسنوناتِه نظَرًا لفِعلِه؛ إذ هو أثبَتُ في القلبِ مِن حفظِه عن النّطقِ. وفيه: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يعتمِدْ ما كانت الجاهليّةُ تعتمدُه مِن وقوفِها في الحرَمِ، بل خرَج إلى عرَفةَ. وفيه: أنّ عرَفةَ كلّها موقفٌ.