صحيح البخاري/5614

من الحكمة
الراوي: عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه
المحدث: البخاري
المصدر: صحيح البخاري برقم: 5614
حكم المحدث: صحيح

الحديث:

«كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءُ والعَسَلُ»


الشرح

تقولُ عائشةُ رضي الله عنه: كان صلى الله عليه وسلم يُحبّ الحَلواءَ والعسلَ، وكان إذا صلّى العصرَ أجازَ على نِسائِه، يعني: مرّ عليهنّ، فدَخلَ على حفصةَ رضي الله عنه فَاحتَبسَ عندَها أكثرَ ممّا كان يَحتبسُ، يعني: جَلَسَ عندها مُدّةً أكثَرَ مِنَ المعهودِ في هذا الوقتِ، فسألتْ عائشةُ رضي الله عنه عن سببِ ذلك، فعلِمَتْ أنّها أُهدِي إليها عُكّةُ عسلٍ، أي: وِعاءٌ صغيرٌ به عسلٌ، فَشرِبَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم منه، فأخذَ عائشةَ رضي الله عنه ما يأخذُ النّساءَ مِن غَيرةٍ جَبلَهنّ اللهُ عليها، فاتّفقتْ هي وسَودةُ وصفيّةُ رضوانُ الله عليهنّ أنْ يَحتَلْنَ على النّبيّ صلى الله عليه وسلم، يعني: يَقُمنَ بِحيلٍة، واتّفقتْ عائشةُ معهنّ أنّه إذا اقتربَ من أيّ منهنّ تقولُ له: يا رسولَ الله أكلتَ مغافيرَ؟، والمغافيرُ: هو صَمغٌ حُلوٌ له رائحةٌ كريهةٌ، فسيقولُ لها: إنّه لم يأكلْ مَغافيرَ، فتقولُ إحداهنّ له: ما هذه الرّيحُ؟ وكان صلى الله عليه وسلم يَكرهُ أنْ تُشمّ منه رائحةٌ غيرُ طيّبةٍ، فسيقولُ صلى الله عليه وسلم: سقَتْني حَفصةُ عسلًا، فتقولُ إحداهنّ: جَرسَتْ نحلُه العُرْفُطَ، أي: أكلتِ النّحلةُ من شَجرِ العُرْفُطِ الذي يُثمرُ المغافيَر، واتّفقنَ على فِعل ذلك، فلمّا دخَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم على سودةَ رضي الله عنه، قالتْ: والّذي لا إله إلّا هو لَقدْ كِدتُ أنْ أُبادئَه بِالّذي قلتِ لي، وإنّه لعلَى البابِ؛ فَرَقًا منك، يعني: كنتُ سَأُناديه بما اتّفقنا عليه؛ خوفًا مِن عائشةَ رضي الله عنه، ثُمّ قالتْ له سودةُ ما اتّفقْنَ عليه، وكذلك صفيّةُ وعائشةُ رضوان الله عليهنّ، فلمّا سمعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم منهنّ ذلك دخَلَ على حَفصةَ رضي الله عنه، فقالتْ له: ألَا أَسقيكَ منه، تَعني مِنَ العسلِ، فقال لها: «لا حاجةَ لي به»، فقالتْ سودةُ رضي الله عنه: سبحانَ اللهِ لقدْ حَرَمناهُ، تعني: حَرمناهُ مِنَ العَسلِ، فقالتْ لها عائشةُ: اسكُتي؛ وذلك لِئلّا يَظهرَ فيظهرَ ما دبّرتْه لحَفصةَ رضي الله عنه، وهذا منها على مُقتضى طبيعةِ النّساءِ في الغَيرةِ. وفي حديثٍ آخرَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ العسلَ في بيتِ زينبَ رضي الله عنه، وفي هذا الحديثِ أنّه شربَه في بيتِ حَفصةَ رضي الله عنه، والجمْعُ بينَ هذا الاختلافِ: الحملُ على التعدّدِ؛ فلا يمتنعُ تعدّدِ السّببِ للأمرِ الواحدِ. وفي الحديثِ: أنّ الغَيرةَ مَجبولةٌ في النّساءِ طبعًا. وفيه: بيانُ عُلوّ مَرتبةِ عائشةَ رضي الله عنه عندَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، حتّى كانتْ ضرّتُها تَهابُها وتُطيعُها في كلّ شيءٍ تأمرُها به.