صحيح البخاري/5091

من الحكمة
الراوي: سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه
المحدث: البخاري
المصدر: صحيح البخاري برقم: 5091
حكم المحدث: صحيح

الحديث:

«مَرّ رَجُلٌ علَى رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: ما تَقُولونَ في هذا؟ قالوا: حَرِيّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفّعَ، وإنْ قالَ أنْ يُسْتَمع، قالَ: ثُمّ سَكَتَ، فَمَرّ رَجُلٌ مِن فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ: ما تَقُولونَ في هذا؟ قالوا: حَرِيّ إنْ خَطَبَ أنْ لا يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ لا يُشَفّعَ، وإنْ قالَ أنْ لا يُسْتَمع، فَقالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: هذا خَيْرٌ مِن مِلْءِ الأرْضِ مِثْلَ هذا»


الشرح

الميزانُ عند اللّهِ يَختلِفُ عن المَوازينِ عند النّاسِ؛ فكثيرًا ما يَقيسُ النّاسُ بعضُهم البعضَ بِمَوازينِ الدّنيا مِنَ الجاهِ والمالِ والسّلطانِ، أمّا الميزانُ عند اللّهِ فَهو بِقُربِ العبدِ إليه وبتقواهُ؛ {إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. وهذا الحديثُ يَدُلّ دَلالةً واضحةً على هذا المعنى، حيث أراد الرّسولُ صلّى اللّهُ عليه وسلّم أن يُبَيّنَ لأصحابِهِ نَموذَجًا عَمَليّا حين مَرّ رَجُلٌ مِنْ أغنياءِ المُسلِمينَ فَسألهُمْ عنه. فأجابوا أنّه جَديرٌ إنْ أراد الزّواجَ أنْ يَقبَلَه النّاسُ، وإنْ أراد أنْ يَشْفَعَ في أحَدٍ قَبِلوا شَفاعَتَه فيه، وإنْ تَحَدّثَ أنصَتوا له؛ لأنّهُم يَرَونَه صاحِبَ جاهٍ ومالٍ وسُلطانٍ. ثُمّ مَرّ رَجُلٌ مِنْ عامّةِ المسلمين، ليس له قَدْرٌ بين النّاسِ؛ فَهُم يَرَونَ أنّه إنْ أراد الزّواجَ لا يُزَوّجُه أحَدٌ، وإنْ شَفَعَ في أحَدٍ لا تُقبَلُ شَفاعَتُه، وإنْ تَكَلّم فَلا سامِعَ له؛ لأنّهم يَرَونَه فَقيرًا، لا جاهَ له ولا سُلطانَ؛ فَبَيّنَ لَهُم رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ذلك الأمْرَ على المَعنى الصّحيحِ، وهو أنّ العِبرةَ ومَقامَ المَرءِ وقِيمَتَه ليستْ بمالِه ولا جاهِه ولا سُلطانِه، إنّما هي بِتَقوى العَبدِ وصَلاحِه ومَقامِه عند رَبّه. ويُؤخَذُ مِنْ هذا الحديثِ أنّ الرّجُلَ قَد يَكونُ ذا مَنزِلةٍ عاليةٍ في الدّنيا، ولَكِنّه ليس له قَدْرٌ عند اللّهِ، وقَد يَكونُ في الدّنيا ذا مَرتَبةٍ مُنحَطّةٍ وليس له قيمةٌ عند النّاسِ، وهو عِندُ اللّهِ خَيرٌ مِن كَثيرٍ مِمّن سِواهُ