صحيح البخاري/3518

من الحكمة
الراوي: جابر بن عبدالله رضي الله عنه
المحدث: البخاري
المصدر: صحيح البخاري برقم: 3518
حكم المحدث: صحيح

الحديث:

«غَزَوْنَا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقدْ ثَابَ معهُ نَاسٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ حتّى كَثُرُوا، وكانَ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعّابٌ، فَكَسَعَ أنْصَارِيّا، فَغَضِبَ الأنْصَارِيّ غَضَبًا شَدِيدًا حتّى تَدَاعَوْا، وقالَ الأنْصَارِيّ: يا لَلْأَنْصَارِ، وقالَ المُهَاجِرِيّ: يا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَخَرَجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: ما بَالُ دَعْوَى أهْلِ الجَاهِلِيّةِ؟ ثُمّ قالَ: ما شَأْنُهُمْ فَأُخْبِرَ بكَسْعَةِ المُهَاجِرِيّ الأنْصَارِيّ، قالَ: فَقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: دَعُوهَا فإنّهَا خَبِيثَةٌ وقالَ عبدُ اللّهِ بنُ أُبَيّ ابنُ سَلُولَ: أقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا، لَئِنْ رَجَعْنَا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الأعَزّ منها الأذَلّ، فَقالَ عُمَرُ: ألَا نَقْتُلُ يا رَسولَ اللّهِ هذا الخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ اللّهِ، فَقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: لا يَتَحَدّثُ النّاسُ أنّه كانَ يَقْتُلُ أصْحَابَهُ»


الشرح

جاءَ الإسلامُ؛ لِيقضيَ على كلّ سُننِ الجاهليّةِ وكلّ دَعْوَى باطلةٍ لها، ومِن هذه الدّعاوى العصبيّةُ القَبلِيّةُ، فقدْ جاءَ الإسلامُ؛ لِينهى عَنِ التّعصّبِ لِلشّخصِ أوِ القبيلةِ أو البلدِ، وإنّما َجعلَ الولاءَ لِلمسلمينَ جميعًا عربًا أو عجَمًا، وجعلَ البَراءَ مِنَ المشركينَ جميعًا عربًا أو عجمًا، وفي هذا الحديثِ يُخْبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضي الله عنه بِواقعةٍ ظهرَتْ فيها دعوى الجاهليّةِ والتّعصّبِ القبلِيّ فيقولُ: غزَوْنا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وقد ثابَ معه ناسٌ مِنَ المهاجريِن َحتّى كثرُوا، أي: اجْتمعَ معه ناسٌ مِنَ المهاجرِينَ حتّى كثُروا، وكان مِنَ المهاجريِنَ رجلٌ لَعّابٌ، أي: يلعب بِالحِرابِ، فَكَسعَ أنصاريّا، أي: ضرَبَ دُبرَه بيدِه أو رِجلِه، فَغضِبَ الأنصاريّ غضبًا شديدًا حتّى تداعَوا، أي: استغاثوا ونادَى بعضُهم بعضًا، وقال الأنصاريّ: يَا لَلأنصارِ، وقال المهاجريّ: يَا لَلمهاجرينَ، فخرَجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بالُ دعْوى أهلِ الجاهليّةِ؟!»، أي: ما حالُ دعوى الجاهليّةِ بينَكم مِنَ التّناصُرِ والتّداعي بِالآباءِ؟! والغرَضُ مِنَ استفهامِه صلى الله عليه وسلم إنكارُ ذلك عليهم، ثُمّ قال: «ما شأنُهم؟»، فأُخبِرَ بَكَسْعةِ المهاجريّ لِلأنصاريّ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «دَعُوها؛ فإنّها خبيثةٌ»، أي: اتْرُكوا دعوَى الجاهليّةِ؛ لأنها مُنتنةٌ قبيحةٌ مُنكَرة كريهةٌ مؤذية؛ لإثارتِها الغضبَ على غيرِ الحقّ والتقاتلَ على الباطِل، وقال عبدُ اللهِ بنُ أبيّ ابنُ سَلولَ: أقدْ تَداعَوْا علينَا، لَئن رَجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخرِجنّ الأعزّ منها الأذلّ، أي: إنّه يستنكرُ استغاثةَ المهاجرِينَ بِبعضِهم على الأنصارِ، ثُمّ قال المنافقُ: لَئنْ رَجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخرجنّ الأعزّ يقصِدُ نفسَه، الأذلّ يقصِدُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال عُمرُ رضي الله عنه: ألَا نَقتلُ يا رسولَ اللهِ هذا الخبيثَ؟ يَقصِدُ ابنَ سلولَ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا يَتحدّثُ النّاسُ أنّه كان يَقتلُ أصحابَه»، أي: حتّى لا يتحدّثُ مَن لا يعرِفُ ابنَ سلولَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقْتلُ المسلمينَ، فَيُحجمُ النّاسُ عَنِ الدّخولِ في الإسلامِ بِسببِ ذلك. وفي الحديثِ: مُراعاةُ النظرِ للعامّةِ على النظرِ للخاصّة، والتحذيرُ مِن كلّ عَملٍ فيه تَنفيرُ النّاسِ عن الدّخولِ في الإسلَامِ.