صحيح البخاري/3393

من الحكمة
الراوي: مالك بن صعصعة الأنصاري رضي الله عنه
المحدث: البخاري
المصدر: صحيح البخاري برقم: 3393
حكم المحدث: صحيح

الحديث:

«أنّ رَسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، حَدّثَهُمْ عن لَيْلَةَ أُسْرِيَ بهِ: حتّى أَتَى السّمَاءَ الخَامِسَةَ، فَإِذَا هَارُونُ، قالَ: هذا هَارُونُ فَسَلّمْ عليه، فَسَلّمْتُ عليه فَرَدّ، ثُمّ قالَ: مَرْحَبًا بالأخِ الصّالِحِ والنبيّ الصّالِحِ»


الشرح

يَحْكي أنَسُ بنُ مالِك رضي الله عنه عَن لَيلةِ أُسْرِيَ بِالنّبيّ صلى الله عليه وسلم مِن مَسجِدِ الكَعبةِ إلى بَيتِ المَقْدِسِ، أنّه جاءَ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم ثَلاثةُ نَفَرٍ مِن المَلائِكةِ، قَبلَ أن يُوحى إليه، وَهوَ نائِمٌ في المَسجِدِ الحَرامِ. فَقالَ أوّلهم: أيّهم هو؟ أيّ الثّلاثةِ مُحَمّدٌ صلى الله عليه وسلم، وَكانَ صلى الله عليه وسلم نائِمًا بَينَ اثنَينِ أو أكْثَرَ، فَقالَ أوسَطُهم: هو خَيرُهم، يَعْني النّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنّه كانَ نائِمًا بَينَ الاثْنَينِ، وَقالَ آخِرُهم: خُذوا خَيرَهم للعُروجِ بِه إلى السّماءِ، فَكانَتْ تِلكَ، أي: القِصّةُ، أي: لَم يَقَعْ في تِلكَ اللّيلةِ غَيرُ ما ذُكِرَ مِن الكَلامِ. فَلَم يَرَهم عليه الصّلاة والسّلام، حَتّى جاؤوا إليه لَيلةً أُخْرى فيما يَرى قَلبُه، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم نائِمةٌ عَيْناه وَلا يَنامُ قَلبُه، وَكَذَلك الأنْبياءُ تَنامُ أعْيُنُهم وَلا تَنامُ قُلوبُهم، فَتَوَلّاه عليه الصّلاةُ والسّلامُ جِبْريلُ بَعدَما وَضَعوه عِندَ بِئْرِ زَمْزَم، فَشَقّ جِبْريلُ عليه السلام صَدرَه وَحَشاه إيمانًا وَحِكْمةً، ثُمّ أرْكَبه البُرَاقَ إلى بَيتِ المَقْدِسِ، ثُمّ صَعِدَ بِه إلى السّماءِ الدّنيا، فَرَحّبَ بِه مَلائِكتُها، وَوَجَدَ فيها أباه آدَمَ عليه السلام، فَرَحّبَ بِه أيضًا، وَرَأى فيها أصْلَ نَهْرَي النّيل والفُراتِ، وَرَأى نَهْرَ الكَوْثَرِ، وَهوَ مِن المِسْكِ، وَفَوْقَه قَصْر مِن لُؤلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، وَقَدْ ادّخَرَه اللهُ لنَبيّه صلى الله عليه وسلم، ثُمّ صَعِدَ إلى السّماءِ الثّانيةِ فَرَحّب بِه مَلائِكتُها أيضًا، وَرَأى فيها النّبيّ إِدْريسَ عليه السلام، ثُمّ صَعِدَ بِه جِبْريلُ إلى السّماءِ الثّالِثةِ وَمِن بَعدِها صَعِدَ بِه إلى السّماءِ الرّابِعةِ وَرَأى فيها هارونَ عليه السلام، ثُمّ صَعِدَ بِه إلى السّماءِ الخامِسةِ وَرَأى فيها آخَرَ لَم يَحْفَظ اسمَه. ثُمّ صَعِدَ بِه إلى السّماءِ السّادِسةِ وَرَأى فيه إِبْراهيمَ عليه السلام، ثُمّ صَعِدَ بِه إلى السّماءِ السّابِعةِ وَرَأى فيها موسى عليه السلام؛ بِسَبَبِ أنّ لَه فَضْلَ كَلام الله إيّاه. وَلَم يَكُن موسى يَعتَقِد أن يَرفَع اللهُ عليه أحدًا؛ حَيثُ عَلا جِبْريلُ عليه السلام بِمُحَمّد صلى الله عليه وسلم فَوْقَ ذَلك بِما لا يَعلَمه إِلّا اللهُ، حَتّى جاءَ سِدْرةَ المُنتَهى الّتي إليها يَنتَهي عِلمُ المَلائِكةِ، وَلَم يُجاوِزْها أحَد إِلّا نَبيّنا صلى الله عليه وسلم، وَدَنا الجَبّارُ رَبّ العِزّةِ فَتَدَلّى، وَأصلُ التّدَلّي النّزولُ إلى الشّيْءِ حَتّى يَقرَب مِنه، حَتّى كانَ مِنه قَدرَ قَوسَينِ أو أقْرَبَ، فَأوْحى اللهُ إليه فيما أوْحى خَمْسينَ صَلاةً على الأُمّةِ كُلّ يَوم وَلَيلة، ثُمّ هَبَطَ صلى الله عليه وسلم، وَهُنا تَكَلّمَ معه موسى عليه السلام أن يَرجِعَ إلى رَبّه وَيَطلُب مِنه التّخفيفَ في عَدَدِ الصّلَواتِ، فَخَفّفَها الرّحْمَنُ مِن خَمْسينَ إلى عَشْرٍ، وَلَم يَزَلْ يَرْدُده موسى إلى رَبّه تعالى حَتّى صارَتْ خَمْسًا، وَلمّا هَبَطَ قالَ لَه موسى: واللهِ، لَقَدْ راجَعتُ بَني إِسْرائيلَ قومي على أقَلّ مِن هَذا القَدْرِ، أي: مِن هَذِه الصّلَواتِ الخَمْسِ فَضَعُفوا فَتَرَكوه، فَأُمّتكُ أضْعَفُ أجْسادًا وَقُلوبًا وَأبْدانًا وَأبْصارًا وَأسْماعًا، فارْجِع إلى رَبّك فَلْيُخَفّف عَنْك كُلّ ذَلك، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم يَلتَفِت إلى جِبْريلَ؛ ليُشيرَ عليه، وَلا يَكرَه ذَلك جِبْريلُ، فَرَفَعَه إلى رَبّه، فَطَلَب مِنه التّخْفيفَ، فَقالَ الجَبّار: يا مُحَمّدُ. فَأجابَه: لَبّيْكَ رَبِّ وسَعدَيك، قالَ: إِنّه لا يُبَدّلُ القَوْلُ لَدَيّ كَما فَرَضتُ عليك، أي: وَعلى أُمّتِك في أُمّ الكِتابِ، وَهوَ اللّوْح المَحْفوظ، قالَ: فَكُلّ حَسَنةٍ بِعَشْر أمْثالِها، فَهيَ خَمْسونَ في أُمّ الكِتابِ وَهيَ خُمْسٌ عليك، أي: وَعلى أُمّتِك، فَرَجَعَ صلى الله عليه وسلم إلى موسى عليه السلام، فَسَألَه: كَيْفَ فَعَلتَ؟ فَقالَ: خَفّفَ رَبّنا عَنّا؛ أعْطانا بِكُلّ حَسَنة عَشْرَ أمْثالِها. قالَ موسى: قَد واللهِ راجَعتُ بَني إِسْرائيلَ على أقَلّ مِن ذَلك فَتَرَكوه، ارْجِعْ إلى رَبّك فَلْيُخَفّف عَنْك أيْضًا. قالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يا موسى، قَد واللهِ اسْتَحيَيْتُ مِن رَبّي مِمّا اخْتَلَفتُ إليه، قالَ لَه جِبْريلُ: فاهْبِط باسمِ اللهِ، قالَ: واستَيقَظَ صلى الله عليه وسلم وَهوَ في مَسجِدِ الحَرامِ. أي: واستَيقَظ مِن نَوْمةٍ نامَها بَعدَ الإِسْراءِ والمِعْراجِ. "لَبّته" وَهوَ مَوضِع القِلادةِ مِن الصّدرِ. "تَوْر": إِناءٌ يُشْرَبُ فيهِ. "يَطرُدانِ": يَجريانِ. "عُنْصُرهما": أصْلُهما. "خَبّأ لَك": أيْ ادّخَرَ لَك. في الحَديثِ: ثُبوتُ رِحلةِ الإِسراءِ والمِعْراجِ. وفيه: عَظيمُ رَحْمةِ الله عَزّ وَجَلّ بِنَبيّه وَأُمّتِهِ. وفيه: أَدَبُ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم في اسْتِشارتِه لجِبْريلَ عليه السلام قَبلَ مُراجَعتِه لرَبّه عَزّ وجلّ. وفيه: تَفضيلُ نَبيّنا مُحَمّد صلى الله عليه وسلم على سائِرِ إِخْوانِه الأنْبياءِ عليهم السّلامُ. وفيه: ثُبوتُ صِفةِ الكَلامِ للهِ سُبْحانَه وَتعالى. وفيه: ثُبوتُ صِفةِ العُلوّ للهِ سُبحانَه وَتعالى