صحيح البخاري/2578

من الحكمة
الراوي: عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه
المحدث: البخاري
المصدر: صحيح البخاري برقم: 2578
حكم المحدث: صحيح

الحديث:

«أنّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ، وأنّهُمُ اشْتَرَطُوا ولَاءَهَا، فَذُكِرَ للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: اشْتَرِيهَا، فأعْتِقِيهَا، فإنّما الوَلَاءُ لِمَن أَعْتَقَ، وأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فقِيلَ للنبيّ صلى الله عليه وسلم: هذا تُصُدّقَ علَى بَرِيرَةَ، فَقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: هو لَهَا صَدَقَةٌ، ولَنَا هَدِيّةٌ. وخُيّرَتْ»


الشرح

أوجَبَ الإسلامُ الوَفاءَ بالشّروطِ بيْن المُتعاقدِينَ ما لم يُحِلّ هذا الشّرطُ حَرامًا أو يُحرّمْ حَلالًا، فإنْ حَدَثَ فلا قِيمةَ ولا اعتِبارَ له. وفي هذا الحَديثِ تَحكي أمّ المؤمنينَ عائِشةُ رضي الله عنه أنّها أرادَتْ أنْ تَشتريَ بَريرةَ بِنتَ صَفوانَ رضي الله عنه لكي تُعتِقَها، وأرادَ مَوالِيها وساداتُها –قيل: كانتْ لِعُتبةَ بنِ أبي لَهَبٍ، وقيل: لِبَعضِ بَني هِلالٍأنْ يَشترِطوا على عائشةَ رضي الله عنه أنْ يكونَ لهم وَلاؤُها بعْدَ عِتقِها، والولاءُ: هو ما يَحصُلُ بيْن المُعتِقِ والعَتيقِ نِسْبةً أو شِبْهَ قَرابةٍ لأجْلِ العِتقِ، الّذي هو تَحريرُ الرّقَبةِ وتَخليصُها مِن الرّقّ، ويَحدُثُ بيْنهما الإرثُ إذا لم يَكُنْ للعَتيقِ وارثٌ، ويَصِيرُ العَتيقُ مِثلَ أحَدِ الأقارِبِ، فيُوالي مَن أعْتَقَه ويَنصُرُه، وقد كانتِ العرَبُ تَبيعُ هذا الحقّ وتَهَبَه، فنَهى الشّرعُ عنه؛ لأنّ الوَلاءَ كالنّسَبِ، فلا يَقبَلُ الزّوالَ. فبَيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم لعائِشةَ أنْ تَشتريَها على ما يَقصِدون مِن اشتراطِ كَونِ الوَلاءِ لهم، ولا تُبالي، سَواءٌ شَرَطوهُ أمْ لا؛ فإنّه شَرْطٌ باطِلٌ، والوَلاءُ لِمَن أعتَقَ. ثمّ تَحكي عائشةُ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بلَحْمٍ تُصُدّقَ به على بَريرةَ مَولاتِها، فأتَتْ يَومًا بشَيءٍ مِن ذلك اللّحمِ الّذي تُصُدّق به عليها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأعْطَتْه إيّاه، فتَقبّله منها؛ لأنّه عليها صَدَقةٌ، وله هَديّةٌ، فحَلّ أكْلُه، وفي هذا دَلالةٌ على مَشروعيّةِ الصّدقةِ على مَوالي أزواجِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، لكنْ بشَرْطِ ألّا تكونَ السّيّدةُ هاشميّةً، ولا مُطّلبيةً، كزَينبَ بِنتِ جَحْشٍ؛ لِحَديثِ أبي داودَ والنّسائيّ: «إنّ الصّدقةَ لا تَحِلّ لنا، وإنّ مَولى القومِ منْهم». وفي الحديثِ: أنّ الوَلاءَ لمَن أعْتَقَ. وفيه: مَشروعيّةُ الصّدقةِ على مَوالي زَوجاتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.