صحيح البخاري/2368

من الحكمة
الراوي: عبدالله بن عباس رضي الله عنه
المحدث: البخاري
المصدر: صحيح البخاري برقم: 2368
حكم المحدث: صحيح

الحديث:

«يَرْحَمُ اللّهُ أُمّ إِسْمَاعِيلَ، لو تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قالَ: لو لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا، وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ فَقالوا: أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قالَتْ: نَعَمْ، وَلَا حَقّ لَكُمْ في المَاءِ، قالوا: نَعَمْ»


الشرح

يَحكي ابنُ عَبّاس رضي الله عنه أنّ أوّلَ ما اتّخَذَ النّساءُ "المِنْطَقَ"، وهو: قِطْعةٌ مِن قُماشٍ تَشُدّ بِها المَرأةُ وسطَها، وتَجُرّ أسفَلَه عَلى الأرضِ، كانَ مِن جِهةِ هاجَرَ أُمِّ إِسْماعيلَ، وسَبَبُه أنّ سارةَ كانت قَدْ وهَبَتْ هاجَرَ لِإِبْراهيمَ عليه السّلام، فَلمّا وَلَدَتْ إِسْماعيلَ غارَتْ منها، فَشَدّت المِنْطَقَ، وصارَتْ تَجُرّ أسفَلَه عَلى الأرضِ؛ لِتُخفي آثارَ أقدامِها، ثمّ أمَرَه اللهُ تَعالى أن يَذهَبَ بِها إلى مَكّةَ فَفَعَلَ، ولَم يَكُن هُناكَ بَيْتٌ ولا بِناءٌ ولا زَرْعٌ ولا ماءٌ، فَوَضَعَها تَحْتَ شَجرةٍ هُناكَ فَوْقَ مَكان زَمْزَمَ، وكانَ إِسْماعيلُ رَضيعًا، ومَكّةُ صَحْراءَ قاحِلةً، وتَرَكَ لها جِرابَ تَمرٍ وسِقاءَ ماءٍ، وعاد راجِعًا إلى الشّامِ، فَقالت له: أينَ تَذهَب وتَترُكنا بِهذا الوادي الّذي لا إِنْسَ فيه ولا شَيءَ؟ وأعادَت السّؤالَ مِرارًا، فَلَمّا لَم يُجِبْها، سَألَتْه: هَلْ أمَرَك اللهُ بِذَلِكَ؟ فَأجابَها: نَعَم، قالت: ما دامَ قَد أمَرَك بِذَلِكَ، فَلَن يُضَيّعَنا، وسارَ إِبْراهيمُ عليه السّلام مُتَضَرّعًا إلى اللهِ مُتَوجّهًا إلى بَيتِه الحَرامِ داعيًا: {رَبّنَا إِنّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}، أي: لا نَباتَ فيه عِندَ بَيتِك المُحَرّمِ، {رَبّنَا لِيُقِيمُوا الصّلَاةَ}، أي: إِنّما جَعَلته مُحَرّمًا؛ ليَتَمَكّن أهْلُه مِن إِقامةِ الصّلاةِ عِندَه، {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}، أي: فاجْعَلْ جَماعاتٍ مِن النّاسِ تَأتيهم {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثّمَرَاتِ لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ}، أي: ليَكونَ ذلك عَونًا لهم عَلى طاعتِك. وجَعَلَتْ هاجَرُ تُرضِع إِسْماعيلَ عليه السّلام، وتَشْرَب مِن ذلك الماءِ، حَتّى إِذا نَفِدَ ما في السّقاءِ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابنُها، وجَعَلَتْ تَنظُر إليه "يَتَلَوّى"، أي: يَتَلَفّت أو قالَ "يَتَلَبّط"، أي: يُحرّك لِسانَه، ويَكاد يَموتُ مِن شِدّةِ العَطشِ، فَلَم تُطاوِعْها نَفْسُها أن تَراه عَلى تِلْكَ الحالةِ، فانْطَلَقَتْ كَراهيةَ أن تَنظُرَ إليه وهو عَلى وشْكِ أن يَموتَ مِن العَطشِ، ثمّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسانِ المَجْهودِ تَبحَث عَن الماءِ بَينَ الصّفا والمَرْوةِ سَبْعَ مَرّات، فَشَرَع اللهُ لِلنّاسِ السّعْيَ في الحَجّ مِن أجْلِ ذَلِكَ. فَلَمّا أشْرَفتْ عَلى المَرْوةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقالت: "صَهٍ" تُريدُ نَفْسَها، أي: طَلَبَتْ مِن نَفْسِها السّكوتَ؛ لِكَي تَتعَرّفَ عَن مَصدَرِ الصّوتِ، ومِن أيْنَ أتى. ثمّ تَسَمّعتْ فَسَمِعَتْ أيْضًا الصّوْتَ مَرّة أُخرى، فَقالت: قَدْ أسْمَعتَ إِن كانَ عِنْدَك "غِواثٌ"، يَعْني: قَدْ سَمِعت صَوْتك، فَإِنْ كانَ عِنْدَك ما يُغيثني فَأغِثْني. فَإِذا هيَ بالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِع زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِه أو قالَ بِجَناحِه حَتّى ظَهَرَ الماءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضه، وتَقولُ بيَدِها هَكَذا، أي: فَصارَتْ تُحيطه بالتّرابِ وتَجْعَله حَوْضًا، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ ولَم تُحَوّضها لَصارَتْ عَيْنًا مَعينًا، أي: عَيْنًا جاريةً عَلى وجْهِ الأرضِ. فَقالَ لها المَلَكُ: لا تَخافوا "الضّيْعةَ"، أي: لا تَخافوا الضّياعَ والهَلاكَ؛ لِأنّكم تَحْتَ رِعايةِ اللهِ تَعالى. وكانَ البَيْتُ مُرتفِعًا مِن الأرْضِ كالرّابيةِ، أي: مُرتفِعًا قَليلًا. ثمّ مَرّ بِذَلِكَ المَكانِ أو بالقُربِ مِنه جَماعةٌ مُسافِرونَ مِن جُرْهُمٍ مَرّوا بِأعْلى مَكّةَ، فَرَأوْا طَيْرًا حائِمًا عَلى الماءِ، فَعَرَفوا أنّ بِهذا الوادي ماءً، وكانَ عَهدهم بِه أنّه وادٍ مُقْفِرٌ، فَأرْسَلوا رَسولًا مِن قِبَلهم أو رَسولَيْنِ؛ ليَكشِفَ لهم عَن الحَقيقةِ، فَرَجَعَ إليهم رُسُلُهم يُخبِرونهم عَن وُجودِ ماءٍ في تِلْكَ البُقْعةِ، فَأقْبَلوا عَلى أُمّ إِسْماعيلَ، واستَأذَنوا منها بالنّزولِ في جِوارِها، فَأذِنَتْ لهم بِذَلِكَ، عَلى أن لا يَكونَ لهم حَقّ التّمَلّكِ في ذلك الماءِ، وإنّما لهم أن يَشرَبوا مِنه فَقَطْ، وسَكَنَتْ جُرْهُمٌ مَكّةَ مُنْذُ ذلك العَهْدِ، واسْتَأْنَسَتْ بِسُكْناهم مَعَها، وشَبّ الغُلامُ في هذه القَبيلةِ، وتَعَلّمَ منهم اللّغةَ العَرَبيّةَ، ثمّ لَمّا بَلَغَ الرّشدَ زَوّجوه امْرَأةً منهم اسْمها عِمارةُ بِنْتُ سَعْدٍ، ثمّ ماتَتْ أُمّ إِسْماعيلَ، فَجاءَ إِبْراهيمُ عليه السلام بَعدَما تَزَوّجَ إِسْماعيلُ عليه السلام، يُطالِع تَرِكتَه، أي: يَتَفَقّد حالَ أهْلِه ووَلَدِه، فَلَم يَجِد إِسْماعيلَ عليه السّلام، فَسَألَ امْرَأتَه عَنْه، فَقالت: خَرَجَ يَبْتَغي لَنا، أي: يَطلُب لَنا الرّزْقَ، ثمّ سَألَها عَن عَيْشِهم وهَيْئتِهم، أي: حالتِهم، فَقالت: نَحْنُ بِشَرّ، نَحْنُ في ضيقٍ وشِدّةٍ، فَشَكَتْ إليه، قالَ: فَإِذا جاءَ زَوْجُك فاقْرَئي عليه السّلامَ، وقولي له: يُغَيّر عَتبةَ بابِه، فَلَمّا جاءَ إِسْماعيلُ عليه السّلام، كَأنّه آنَسَ شَيْئًا، فَقالَ: هَلْ جاءَكم مِن أحَد؟ أيْ: فَلَمّا جاءَ إِسْماعيلُ عليه السلام، وكانَ قَدْ أحَسّ في نَفْسِه أنّه جاءَها أحَد، فَسَألَها قائِلًا: هَلْ جاءَكم مِن أحَد؟ قالت: نَعَم جاءَنا شَيْخ كَذا وكَذا، أي: صِفتُه كَذا، وأخْبَرَتْه بِكُلّ ما دارَ. فَقالَ: ذاكَ أبي، وقَدْ أمَرَني أن أُفارِقَك، أي: أن أُطَلّقَك، الْحَقي بِأهلِك، أي: أنْتِ طالِقٌ فاذْهَبي إلى أهْلِك. وتَزَوّجَ منهم امْرَأةً أُخرى وهيَ رَعْلةُ بِنْتُ مُضامِن، فَلَبِثَ عَنْهُم إِبْراهيمُ عليه السلام مُدّةً مِن الزّمَنِ ثمّ أتاهم بَعْدَ فلَم يَجِده، فَدَخَلَ عَلى امْرَأتِه، فَسَألَها عَنْه، قالت: خَرَجَ يَبْتَغي لَنا، أي: يَسْعى في طَلَبِ الرّزقِ. قالَ: كَيْفَ أنْتُم، وسَألَها عَن عَيْشِهم وهَيْئتِهم؟ فَقالت: نَحْنُ بِخَيْرٍ وسَعةٍ، أي: نَحْنُ في نِعمةٍ مِن الله وسَعةٍ في الرّزقِ وأثْنَت عَلى الله، أي: حَمِدَت رَبّها وشَكَرَتْه؛ لِأنّها كانت راضيةً بِما قَسَمَ لها، شَأْن المَرْأةِ الصّالِحةِ، فَقالَ: ما طَعامُكم؟ قالت: اللّحْمُ، قالَ: فَما شَرابُكم؟ قالت: الماءُ، أي: فَسَألَها عَن طَعامِهم وشَرابِهم الّذي يَعيشونَ عليه، فَذَكَرَتْ أنّ طَعامَهم اللّحْم، وشَرابَهم الماء. فَدَعا لهم بالبَرَكةِ في اللّحْمِ والماءِ، فَكانوا يَقْتَصِرونَ عليهما دونَ أن يَتَضَرّروا منهما، وأصْبَحَ ذلك خاصّا بِمَكّةَ دونَ غَيرِها مِن البِلادِ، فَإِنّه لا يَقتَصِر أهْل بَلَدٍ عليهما إلّا تَضَرّروا منهما، كَما قالَ: فَهُما لا يَخْلو عليهما أحَدٌ بِغَيرِ مَكّةَ إلّا لَم يوافِقاه، لَيْسَ أحَد يَخْلو عَلى اللّحْمِ والماءِ بِغَيْرِ مَكّةَ إلّا اشْتَكى بَطنَه، قالَ: فَإِذا جاءَ زَوجُك فاقْرَئي عليه السّلامَ، ومُريه يُثبِت عَتَبةَ بابِه، فَلَمّا جاءَ إِسْماعيلُ عليه السلام قالَ: هَلْ أتاكم أحَد؟ فَأخْبَرتْه عَن الشّيْخِ الّذي جاءَها في غيابِه، وبِأوصافِه وما دارَ بَينَه وبَينَها. فَقالَ: ذاكَ أبي وأنْتِ العَتَبةُ، أمَرَني أن أُمسِكَك، أي: أن أُبقيَك في عِصمَتي. ثمّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وإسْماعيلُ عليه السّلام يَبْري نَبْلًا، أي: يَنْحِت سَهْمًا ويُصلِحه. فَلَمّا رَآه قامَ إليه فَصَنَعا كَما يَصنَع الوالِدُ بالوَلَدِ والوَلَدُ بالوالِدِ، أي: فَعانَقَه مُعانَقةَ الوالِدِ لِوَلَدِه. ثمّ قالَ: يا إِسْماعيلُ، إِنّ اللهَ أمَرَني بِأمرٍ، أي: أمَرَني أن أقومَ بِعَملٍ في هذا المَكانِ، ثمّ طَلَبَ مِن ولَدِه إِسْماعيلَ عليه السّلام أن يُعينَه عليه، ثمّ قالَ: إِنّ الله أمَرَني أن أبْنيَ هاهُنا بَيْتًا، وأشارَ إلى "أكَمةٍ مُرتَفِعةٍ"، أي: إلى رَبْوةٍ مُرتفعةٍ قَليلًا عَن سَطحِ الأرْضِ؛ ليُبَيّن له المَكانَ الّذي أُمِرَ بِبَناء الكَعْبةِ فيه، قالَ: فَعِنْدَ ذلك "رَفَعا القَواعِدَ"، أي: شَرَعا في البِناءِ حَتّى رَفَعا الأُسُسَ الّتي يَقومُ عليها البَيْتُ. فَجَعَلَ إِسْماعيلُ عليه السلام يَأْتي بالحِجارةِ، وإبْراهيمُ عليه السلام يَبْني، حَتّى إِذا ارْتَفعَ البِناءُ وعَلا وأصْبَحَ لا تَطولُه يَدُه. جاءَ بِهذا الحَجَرِ المَوْجودِ حاليّا في المَقامِ، فَقامَ عليه، وإسْماعيلُ عليه السلام يُناوِله الحِجارةَ، وهُما يَقولانِ: {رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّا إِنّكَ أَنْتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ} فَيَدْعوانِ اللهَ بِقَبولِ بِنائِهما هذا، والرّضا عَنْهما فيه؛ لِأنّه السّميعُ لِدُعائِهما، العَليمُ بِبِنائِهما