صحيح ابن حبان/6561

من الحكمة
الراوي: عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه
المحدث: ابن حبان
المصدر: صحيح ابن حبان برقم: 6561
حكم المحدث: أخرجه في صحيحه

الحديث:

«هل أتى عليك يومٌ كان أشَدّ عليك مِن يومِ أُحُدٍ؟ قال: (لقد لقيتُ مِن قومِكِ وكان أشَدّ ما لقيتُ منهم يومَ العَقبةِ إذ عرَضْتُ نفسي على ابنِ عبدِ يَالِيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ فلم يُجِبْني إلى ما أرَدْتُ فانطلَقْتُ وأنا مهمومٌ على وجهي فرفَعْتُ رأسي فإذا أنا بسَحابةٍ قد أظَلّتْني فنظَرْتُ فإذا فيها جبريلُ عليه السلام فناداني فقال: إنّ اللهَ قد سمِع قولَ قومِك لك وما ردّوا عليك وقد بعَث إليك مَلَكَ الجبالِ لِتأمُرَ بما شِئْتَ فيهم قال: فناداني مَلَكُ الجبالِ وسلّم علَيّ ثمّ قال: يا مُحمّدُ إنّ اللهَ قد سمِع قولَ قومِك لك وأنا مَلَكُ الجبالِ وقد بعَثني ربّكَ إليك لِتأمُرَني بأمرِك إنْ شِئْتَ أنْ أُطبِقَ عليهم الأخشبَيْنِ) فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أنْ يُخرِجَ اللهُ مِن أصلابِهم مَن يعبُدُ اللهَ وحدَه لا يُشرِكُ به شيئًا)»


الشرح

لقدْ أُوذِيَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وابتُلي في سبيلِ هذا الدّينِ أشَدّ البلاء، حتّى رُمي بالحِجارة، وأُدْمِيَ كعبُه، وشُجّ رأسُه، ومع ذلك صبَر وأشفَقَ عليهم وعفَا عنهم؛ فإنّه صلى الله عليه وسلم كما قال اللهُ تعالى عنه {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. وفي هذا الحديثِ تقولُ عائشةُ رضي الله عنه: إنّها سألَتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقولها: هل أتى عليك يومٌ، أي: هل مَرّ عليك وقتٌ وزمانٌ كانتْ صُعوبتُه أشَدّ من يوم أُحُدٍ؟ قال: لقد لَقِيتُ مِن قومِك ما لقِيتُ، أي: لقِيتُ منهم الكثيرَ من الأذى، وكان أشَدّ ما لقِيتُ منهم يومَ العَقبةِ، أي: عند العَقبةِ، وقيل: المرادُ بالعَقبةِ جَمرةُ العقبةِ التي بمِنًى، وقيل: مكانٌ مخصوصٌ في الطّائفِ، ولعلّ هذا أَولى؛ إذ عرَضتُ نفْسي وكان ذلك في شوّالٍ في سَنَةِ عَشْرٍ من المبعث، بعد موت أبي طالبٍ وخديجةَ رضي الله تعالى عنها على ابنِ عبدِ يَالِيلَ بنِ عبدِ كُلَالٍ، وكان من أكابرِ أهل الطّائفِ مِن ثقيفٍ، فلم يُجِبْني إلى ما أردتُ، أي: ما قصَدتُ وطلبتُ منه حينئذٍ من العهد والأمان، فذهَب حيرانَ هائمًا لا يَدري أين يتوجّهُ من شدّةِ ذلك الغمّ، وصُعوبةِ ذلك الهمّ، فلم يُفِقْ ممّا كان فيه من الغمّ والهمّ، حتّى بلَغ قَرْنَ الثّعالبِ، والقَرنُ: الجبلُ الصّغيرُ، وقَرْنُ الثّعالبِ: جبلٌ بين مكّةَ والطّائفِ، فرفَع رأسَه إلى السّماء، فإذا هو بسحابةٍ قد أظلّتْه على غيرِ العادةِ، فنَظَر فإذا في السّحابةِ جِبريلُ، فناداهُ فقال: إنّ اللهَ قد سمِع قولَ قومِك وما رَدّوا عليك، وقد بعَث اللهُ إليك ملَكَ الجبال لتأمُرَه بما شئتَ فيهم، فناداهُ ملَكُ الجِبال فسلّم عليه، ثمّ قال: يا محمّدُ، ذلك فيما شئتَ، أي: ذلك كما قال جبريلُ أو كما سمِعتَ منه، إن شئتَ أن أُطْبِقَ، مِن أطبَقَ، إذا جعَل الشّيءَ فوقَ الشّيءِ مُحيطًا بجميعِ جوانبِه، كما يَنطبِقُ الطّبَقُ على موضعٍ من الأرض، والمعنى: إذا أردتَ أن أَقْلِبَ عليهم الأَخْشَبَيْنِ، والأَخْشَبُ كلّ جبلٍ غليظ، والأَخشبانِ هما جبلانِ يُضافانِ إلى مكّةَ مرّةً، وإلى مِنًى أُخرى، وهما واحد، وقيل: الأخشبانِ الجبلانِ المُطبقانِ بمكّةَ، وهما أبو قُبَيْسٍ، والآخَر قُعَيْقِعَانَجَبلٌ بمكّة وجهُه إلى أبي قُبَيْسٍأو الجَبَل الأحمرُ الذي يُشرِف على قُعَيقِعان، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: بل أرْجو، أي: لا أريدُ ذلك وإنِ استحَقّوا لكفرِهم، بل أرْجو أنْ يُخرِجَ اللهُ من أصلابهم مَن يَعبُد اللهَ وحدَه، أي: مَن يُوحّدُه منفردًا أو يُطيعُه مُخلِصًا لا يُشرِكُ به شيئًا. وفي الحديثِ: شِدّةُ ما لَقِي النبيّ صلى الله عليه وسلم مِن أذَى المشرِكين. وفيه: عَفوُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وحِلمُه، وعدمُ عَجلتِه بالدّعاءِ على أُمّتِه