صحيح ابن حبان/5376

من الحكمة
الراوي: أبو موسى الأشعري رضي الله عنه
المحدث: ابن حبان
المصدر: صحيح ابن حبان برقم: 5376
حكم المحدث: أخرجه في صحيحه

الحديث:

«لمّا بعَثني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ومُعاذَ بنَ جبلٍ إلى اليمنِ أمَرنا أنْ ينزِلَ كلّ واحدٍ منّا قريبًا مِن صاحبِه فقال لنا: (يسّرا ولا تُعسّرا وبشّرا ولا تُنفّرا) فلمّا قُمْنا قُلْنا: يا رسولَ اللهِ أَفْتِنا في شرابَيْنِ كنّا نصنَعُهما: البِتْعُ مِن العسلِ يُنبَذُ حتّى يشتَدّ والمِزْرُ مِن الشّعيرِ والذّرةِ يُنبَذُ حتّى يشتَدّ فكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامعَ الكلمِ وخواتمَه فقال صلى الله عليه وسلم: (حرامٌ عليكم كلّ مُسكِرٍ يُسكِرُ عن الصّلاةِ) قال: وأتاني مُعاذٌ يومًا وعندي رجُلٌ كان يهوديّا فأسلَم ثمّ تهوّد فسأَلني: ما شأنُه فأخبَرْتُه فقُلْتُ لمُعاذٍ: اجلِسْ فقال: ما أنا بالّذي أجلِسُ حتّى أعرِضَ عليه الإسلامَ فإنْ قبِل وإلّا ضرَبْتُ عنقَه فعرَض عليه الإسلامَ فأبى أنْ يُسلِمَ فضرَب عنقَه فسأَلني معاذٌ يومًا: كيف تقرَأُ القرآنَ؟ فقُلْتُ: أقرَؤُه قائمًا وقاعدًا وعلى فراشي أتفوّقُه تفوّقًا قال: وسأَلْتُ مُعاذًا: كيف تقرَأُ أنتَ؟ قال: أقرَأُ وأنامُ ثمّ أقومُ فأتقوّى بنَوْمتي على قَوْمتي ثمّ أحتسِبُ نَوْمتي بما أحتسِبُ به قَوْمتي»


الشرح

بَعَثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومُعاذَ بنَ جَبَلٍ رضي الله عنهُما إلى اليَمَنِ، قالَ: وبَعَثَ كُلّ واحِد مِنهما عَلى "مِخْلاف"، أي: إقْليم، قالَ: واليَمَنُ مِخْلافانِ، أي: إقْليمانِ، وكانَتْ جِهةُ مُعاذٍ رضي الله عنه العُلْيا إلى صَوبِ عَدَنَ، وَجهةُ أبي موسى رضي الله عنه السّفْلى، فَقالَ صلى الله عليه وسلم: يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا وبَشِّرَا ولا تُنَفِّرَا، فَجَمعَ بَينَهما؛ لتَعُمّ البِشارةُ والنّذارةُ والتّأنيسُ والتّنفيرُ. فانطَلَقَ كُلّ واحِدٍ مِنهما إلى عَمَلِه، قالَ: وكانَ كُلّ واحِدٍ مِنهما إذا سارَ في أرضِه وكانَ قَريبًا مِن صاحِبِه أحْدَث بِه عَهدًا في الزّيارةِ فَسَلّمَ عليه، فَسارَ مُعاذٌ رضي الله عنه في أرْضِه قَريبًا مِن صاحِبِه أبي موسى رضي الله عنه، فَجاءَ مُعاذٌ رضي الله عنه يَسيرُ عَلى بَغلتِه حَتّى انْتَهى إلى أبي موسى رضي الله عنه، وإذا هو جالِس وقَد اجْتَمَعَ إلَيه النّاسُ، وإذا رَجُل عِندَه قَدْ جُمِعَتْ يَداه إلى عُنُقِه، فَقالَ مُعاذٌ لِأَبي موسى رضي الله عنه: "ايْمُ هَذا"، أي: أيّ شَيءٍ هَذا؟ فَأَجابَه أبو موسى رضي الله عنه: هَذا رَجُل كَفَرَ بَعدَ إسْلامِه. فَقالَ مُعاذٌ رضي الله عنه: لا أنزِلُ، أي: عن بَغلتي حَتّى يُقتَلَ، قالَ أبو موسى رضي الله عنه: إنّما جِيءَ به لذلكَ فانزِلَ، قالَ: ما أنزِل حَتّى يُقْتَلَ، فَأَمَرَ بِه أبو موسى رضي الله عنه فَقُتِلَ ثُمّ نَزَلَ، فَقالَ لِأَبي موسى رضي الله عنه: كَيفَ تَقْرَأُ القُرآنَ؟ فَأَجابَه: "أَتَفوّقه تَفَوّقًا"، أي: أقْرَؤُه شَيئًا بَعدَ شَيْءٍ في آناءِ اللّيلِ والنّهارِ، يَعْني لا أقْرَؤُه مَرّة واحِدة بَل أُفَرّق قِراءتَه عَلى أوقاتٍ، مَأْخوذ مِن فَواقِ النّاقةِ، وهو أنْ تُحْلَبَ ثُمّ تُتْرَكَ ساعةً حَتّى تُدِرّ ثُمّ تُحْلَب، فَسَأَلَ أبو موسى مُعاذًا رضي الله عنهُما: فَكَيفَ تَقرَأ أنْتَ يا مُعاذُ؟ قالَ: أنام أوّلَ اللّيلِ فَأَقومُ وقَد قَضَيتُ جُزْئي مِن النّومِ، أي: أُجَزّئ اللّيلَ أجْزاء؛ جُزْءًا لِلنّومِ وجُزْءًا لِلقِراءة والقيامِ، فَأَقرَأُ ما كَتَبَ الله لي، فَأَحْتَسِب نَوْمَتي كَما أحْتَسِبُ قَوْمَتي، أي: أَطلُب الثّوابَ في الرّاحةِ كَما أَطْلُبه في التّعَبِ. في الحَديثِ: أنّ الرّاحةَ إذا قُصِدَ بِها الإعانةُ عَلى العِبادةِ حَصَلَ بِها الثّوابُ. وَفيه: أنّ العالِمَ والواعِظَ والمَقبولَ مِن قَولِه مَأْمورٌ بألّا يُقْنِّطَ النّاسَ، وأَنْ يُيَسّرَ عَلى المُبْتَدِئِ في الإسلامِ ولا يُفاجِئَه بالشّدّة. وَفيه: الأُلْفةُ والمَودّةُ بَينَ الصّحابةِ.