أعط القوس باريها

من الحكمة

أعط القوس باريها هي عبارة من كلام العرب، أي رد الأمر إلى العالم به. ويقال إن أول من قال ذلك الحطيئة. وكان في حديثه أنه دخل على سعيد بن العاص وهو يغدى الناس، فأكل أكلا جافيا. فلما فرغ الناس من الطعام وخرجوا ثبت مكانه. فأتاه الحاجب ليخرجه فامتنع وقال: أترغب بهم عن مجالستي؟ فلما سمع سعيد ذلك قال: دعه. وتذكروا الشعراء والشعر. فقال لهم: ما اصبتم جيد الشعر ولا شاعر الشعراء. ولو أعطيتم القوس باريها وفقتم على ما تريدون! فقال له سعيد: وهل عندك من ذلك علم؟ قال: نعم: فمن أشعر العرب؟ قال: الذي يقول:

لا أعد الإقتار عدما ولكن ... فقد من قد رزينته الإعدام

ثم أنشده إياها حتى أتى عليها. قال: فمن يقولها؟ قال: أبو دؤاد الإيادي. قال: ثم من؟ قال: ثم الذي يقول:

أدرك بما شئت فقد يدرك بالض ... ضعف وقد يخدع الأريب

ثم أنشدها حتى أتى على آخرها. قال: ومن يقول هذه؟ قال عبيد بن الأبرص. وفي حديث آخر أنه قال حيث سئل الذي يقول:

فجاءت كتيت المشي هيابة السرى ... يدافع ركناها جواري أربعا

يزجينها مشى النزيف وقد جرى ... صباب الكرى في متنها فتقطعا

قال: ومن يقول ذلك؟ قال: امرؤ القيس. قال: ثم من؟ قال: والله حسبك بي عند رغبة أو رهبة، إذا رفعت إحدى رجلي على الأخرى ثم عويت في إثر القوافي كما يعوي الفصيل الصادر! قال: ومن أنت؟ قال الحطيئة. فرحب به سعيد وقال: أسأت بكتمانك نفسك، وقد علمت شوقنا إليك وإلى حديثك! ثم وصله وكساه. فقال يمدحه:

لعمري لقد أمسى على الأمر سائس ... بصير بما ضر العدو أريب

جريء على ما يكره المرء صدره ... وللفاحشات المنديات هيوب

سعيد فلا يغررك خفة لحمه ... تخدد عنه اللحم وهو صليب

فقال الناس: أعط القوس باريها. والمنديات: التي تلحق بالإنسان شرا أو عارا.

المصادر
  • كتاب الفاخر ‌‌لأبي طالب المفضل بن سلمة